محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
تقديم 27
الاشتقاق
الأكبر في الأصول الرباعية يقبل أربعة وعشرين انقلابا ، وعلى هذا القياس المركب من الحروف الخمسة . والسيوطي في المزهر يبسط مثالا للاشتقاق الأكبر ، نقلا عما ذكره الزجاج في كتابه . قال : « قولهم شجرت فلانا بالرمح ، تأويله جعلته فيه كالغصن في الشجرة . وقولهم للحلقوم وما يتصل به شجر لأنه مع ما يتّصل به كأغصان الشجرة . وتشاجر القوم ، إنما تأويله اختلفوا كاختلاف أغصان الشجرة . وكل ما تفرّع من هذا الباب فأصله الشجرة » . فقد أخطأ السيوطي بهذا المثال قاعدة ابن جنى في الاشتقاق الأكبر التي سبق التمثيل بها ، والتي يقول ابن جنى إنه الذي ابتدع لها هذه التسمية ، إذ يقول : « وإنما هذا التلقيب لنا نحن » . أما أنا فقد رأيت أن هذا الضرب من الاشتقاق الذي ساق السيوطي مثله ، جدير بأن تنشأ له تسمية خاصة ، هي الاشتقاق الكبير ، فإن المدلول الذي ساقه ابن جنى للاشتقاق الصغير أو الأصغر يتناول أمرين : أما أحدهما فهو اشتقاق المشتقات السبعة من أفعالها ، كاسم الفاعل واسم المفعول من فعل معيّن من أفعال المادّة . ولا ريب أنّ المعنى الذي في هذا الفعل يسرى بتمامه في جميع مشتقاته . ولا يختلف اللغويون في ذلك . وأما الآخر فهو قرابة فعل وتصاريفه من أفعال المادة الواحدة وتصاريفه لفعل آخر وتصاريفه من المادة نفسها ، وهو الاشتقاق الذي لم يفطن له من اللغويين إلا القليل ، فطن له ابن جنى ، وفطن له كذلك معاصره ابن فارس فطنة أكمل وأشمل ، إذ أجرى هذا القياس الاشتقاقي في جمهرة مواد اللغة ، بتأليفه كتاب المقاييس ، الذي نجح فيه نجاحا رائعا ، بإرجاعه كلمات كلّ مادة إلى قدر مشترك أو أقدار مشتركة فيها جميعا . فهذا الاشتقاق الذي يدعوه ابن جنى صغيرا أو أصغر جدير بأن نسميه اشتقاقا كبيرا .